مجمع البحوث الاسلامية

184

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لكن الآية تعبّر عن شأنهم بالحذر ، ويخبر أنّهم يحذرون أن تنزّل عليهم سورة « إلخ » . والحذر فيه شيء من معنى الاحتراز والاتّقاء ، ولا يتمّ ذلك إلّا بالتّوسّل إلى أسباب ووسائل تحفظ الحاذر ممّا يحذره ويحترز منه ، وتصونه من شرّ مقبل إليه من ناحية ما يخافه . ولو كان مجرّد شكّ من غير مشاهدة أثر من الآثار ، وإصابة شيء ممّا يتّقونه إيّاهم ، لما صحّ الاحتراز والاتّقاء ، فحذرهم يشهد أنّهم كانوا يخافون أن يقع بهم هذه المرّة نظير ما وقع بهم قبل ذلك ، من جهة آيات البقرة وغيرها ، فهذا هو الوجه لحذرهم دون الشّكّ والارتياب ، فالمعتمد في الجواب ما قدّمناه . وقد يجاب عن الإشكال الثّاني بأنّ « على » في قوله : « ان تنزّل عليهم » بمعنى « في » كما في قوله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ البقرة : 102 ، والمعنى : يحذر المنافقون أن تنزّل فيهم ، أي في شأنهم ، وبيان حالهم سورة تكشف عمّا في ضمائرهم . وفيه أنّه لا بأس به لولا قوله بعده : ( تنبّؤهم بما في قلوبهم ) على ما سنوضّحه . وقد يجاب عنه بأنّ الضّمير في قوله : ( عليهم ) راجع إلى المؤمنين دون المنافقين ، والمعنى : يحذر المنافقون أن تنزّل على المؤمنين سورة تنبّؤ المنافقين بما في قلوب المنافقين ، أو تنبّؤ المؤمنين بما في قلوب المنافقين . وردّ عليه بأنّه يستلزم تفكيك الضّمائر ، ودفع بأنّ تفكيك الضّمائر غير ممنوع ولا أنّه مناف للبلاغة ، إلّا إذا كان المعنى معه غير مفهوم . وربّما أيّد بعضهم هذا الجواب بأنّه ليس هاهنا تفكيك للضّمائر ، فإنّه قد سبق أنّ المنافقين يحلفون للمؤمنين ليرضوهم ، ثمّ وبّخهم اللّه بأنّ اللّه ورسوله أحقّ أن يرضوه إن كانوا مؤمنين . فقد بيّن هاهنا بطريقة الاستئناف أنّهم يحذرون أن تنزّل على المؤمنين سورة تنبّؤهم بما في قلوبهم فتبطل ثقتهم بهم ، فأعيد الضّمير إلى المؤمنين ، لأنّ سياق الكلام فيهم فلا أثر من التّفكيك . وفيه أنّ من الواضح الّذي لا يرتاب فيه أنّ موضوع الكلام في هذه الآيات وآيات كثيرة ممّا يتّصل بها من قبل ومن بعد : هم المنافقون ، والسّياق سياق الخطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله لا غيره ، وإنّما كان خطاب المؤمنين في قوله : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ خطابا التفاتيّا للتّنبيه على غرض خاصّ أو مأنا إليه ، ثمّ عاد الكلام إلى سياقها الأصليّ من خطاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بتبدّل خطابهم إلى خطابه ، فلا معنى لقوله : إنّ سياق الكلام في المؤمنين . ولو كان السّياق هو الّذي ذكره لكان من حقّ الكلام أن يقال : أن تنزّل عليكم سورة تنبّؤكم بما في قلوبهم ، فما معنى العدول إلى ضمير الغيبة ، ولم يتقدّم في سابق الكلام ذكر لهم على هذا النّعت ؟ على أنّ قوله : إنّ الآية يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ بيان من طريق الاستنئاف لسبب حلفهم للمؤمنين ليرضوهم ، إخراج لهذه الطّائفة من الآيات من استقلال غرضها الأصليّ الّذي بحثنا عنه في أوّل الكلام ، ويختلّ بذلك ما يتراءى من فقرات الآيات من الاتّصال والارتباط . فالآية يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ إلخ ، ليست بيانا لسبب حلفهم المذكور سابقا بل استئناف مسوق لغرض آخر ، يهدي إليه مجموع الآيات الإحدى عشرة .